رابعة العدوية

تعالوا نتعرف على من تخلت عن متاع الدنيا ابتغاء رضوان الله، على من تخلت عن حب من يفنى وجعلته جزءا بسيطا من حب من يبقى، حب الله الذي بيده يجعل الدنيا كلها تحب من أحبه وتتبعه، فيكون سيدها، وقائدها، لا تابعها وهالكها. تعالوا نستطلع عدة مقالات تصف هذه الشخصية الرائعة التي هجرت الدنيا الفانية ابتغاء مرضاة الباقي وحبا له واقتداء بنهج نبيه وحبيبه سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وسلم لترتقي بإذن الله إلى معراج السالكين لطريق رب العالمين، فتكون من اتباع الأنبياء والمرسلين، اتباع من اعطي شطر الحسن فعرف الله وتخلى عن متاع الدنيا وحرامها وإغواء بعض نسائها سيدنا يوسف عليه السلام، من أتباع سيدنا عيسى عليه السلام، من أتباع سيد الأنبياء والمرسلين محمد الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. هذه المقالات أخذت من مجموعة منتقاه لعدد من الطلاب والطالبات والباحثين .

رابعه العدوية، بصرية، زاهدة، عابدة، خاشعة، امرأة عاشت حياتها عكس سائر الناس، انعزلت في دنيا التصوف بعيدة عن أمور الدنيا، ألف الباحثون في تحديد هويتها وسيرة حياتها، وقد مزجوها برابعةالشامية وهي صوفية من الشام جاءت بعد رابعة العدوية الشخصية التي أول من عرف، ووضع معنى للحب الإلهي عند المسلمين، وتأثر فيها الكثيرون.

نسبها:

كما ذكر أن آراء الباحثين لم تتفق على تحديد هوية رابعة، فالبعض يرون أنها مولاة لآل عتيق، وآل عتيق بطن من بطون قيس، والبعض الآخر يرون أن من آل عتيق بني عدوة ولذا تسمى العدوية. وأما كنيتها فأم الخير..وقيل إن اسم رابعة يعود إلى أنها ولدت بعد ثلاث بنات لأبيها، عاشت في البصرة خلال القرن الثاني الهجري، وقد عمرت حوالي ثمانين عاماً، وتوفيت سنـــة هجرية.

نشأتها:

ذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في (تذكرة الأولياء) بأن رابعة: ولدت في بيت فقير جداً، وتوفي أبوها وهي في مرحلة الطفولة، ولحقت به أمها فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل، وبذلك أطلق الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف والحب الأبوي. بعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة لا معيل لها ولا نصير .( )

حياتها:

اختلفت الآراء حول أن رابعة عاشت حياتها بلا بيت، وبلا مال، وبلا زواج ، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، (هذا ما قاله العطار)، وأنها كانت على قدر من الجمال والحسن، وقد نقل اليافعي نص بعض الصالحين" خطر لي أن أزور رابعة العدوية -رضي الله تعالى عنها - وأنظر أصادقة هي في دعواها أم كاذبة، فبينما أنا كذلك، وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوههم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا علي وسلمت عليهم. وقلت: من أين أقبلتم؟ فقالوا: يا سيدي حديثنا عجيب. فقلت لهم: وما هو. فقالوا نحن من أبناء التجار الممولين. فكنا عند رابعة العدوية - رضي الله عنها - في مصر (ولعلها البصرة) فقلت: وما سبب ذهابكم إليها فقالوا: كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا. فنقل لنا حسن رابعة العدوية وحسن صوتها. وقلنا لابد أن نذهب إليها ونسمع غناءها وننظر إلى حسنها، فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها؛ فوصفوا لنا بيتها، وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا: إن كان قد فاتنا حسن صوتها وغنائها، فما يفوتنا منظرها وحسنها. فغيرنا حليتنا، ولبسنا الفقراء، وأتينا إلى بابها. فطرقنا الباب فلم نشعر إلا وقد خرجت، وتمرغت بين أقدامنا وقالت: لقد سعدت بزيارتكم لي فقلنا لها: وكيف ذلك. فقالت: عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة، فلما طرقتم الباب قالت: إلهي وسيدي بحرمة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا ما رددت علي بصري. فرد الله بصرها في الوقت. قال: فعند لك نظر بعضنا إلى بعض وقلنا ترون إلى لطف الله بنا، لم يفضح سريرتنا فقال الذي أشار علينا بلبس الفقراء: والله لا عدت أقلع هذا اللباس من علي. وأنا تائب إلى الله - عز وجل - على يدي رابعة فقلنا له. ونحن وافقناك على المعصية، ونحن نوافقك على الطاعة والتوبة فتبنا كلنا على يديها. وخرجنا عن أموالنا جميعها، وصرنا فقراء- كما ترى".

 

تصوفها:

دخلت طريق العباد والزهاد..طريق البكاء والخوف، وطريق التهجد في الليالي الطوال، فكانت تحضر حلقات المساجد والأذكار فاتخذت حياتها في حلقات الذكر والوعظ والإرشاد ومغالبة النفس، فتعرفت على (حيونه) عابدة من أكبر عابدات البصرة، هذه المرأة أثرت في رابعة أشد التأثير، فكانت رابعة تزورها وتقضي الليل معها، فتخلوا بنفسها وتنشد:

راحتي يا إخوتي في خلوتي

وحبيبي دائماً في حضرتي

لم أجد لي عن هواه عوضا

وهواه في البرايا محنتي

حيثما كنت أشاهد حسنه

فهو محرابي، إليه قبلتي

إن أمت وجداً وما ثم رضا

وأعنائي في الورى! وأشقوتي

 

وقد أكدت خادمتها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: " كانت لرابعة أحوال شتى: فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها اليأس، وتارة يغلب عليها البسط، ومرة يغلب عليها الخوف"... ولكن العشق الإلهي كما رأينا يبقى طابعها المميز، ورائدها في تصوفها.  فهذه أبيات في إنشادها العشق الإلهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب.

 

وهناك الكثير من الأبيات التي تنشدها رابعة العدوية في الحب الإلهي.

رابعه والحج:

تجاوزت رابعة نطاق المحبة وصارت إلى مقام (الخلة)، أي مقام الإشراف على بحار الغيوب، فهي حجت أكثر من مرة، وذكر في المراجع أن رابعة قد حجت بيت الله حافية تمشي على الأقدام، آخذة  بوصية عبدالله ابن عباس لبنيه عند موته فقد قال:( يا بني حجوا مشاة فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف(.

  رابعة والمؤرخون:

اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة رابعة، فظهرت أساطير وحكايات عن تلك المرأة وأغلبها من الخيال، والخلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن رابعة العدوية أمثال: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن هؤلاء المؤرخون الجاحظ و العطار والمناوي والعديد منهم.

وقد بالغ العطار في كتابته عن رابعة العدوية، إذ كتب عنها في حادثة السوق (أنها في أحد الأيام، كانت رابعه تقضي حاجة لسيدها، رآها رجل غريب وظل ينظر إليها بنظرات شريرة، فخافت منه وهربت. إلا إنها تعثرت وهي تركض، فغميّ عليها، فلما استيقظت أخذت تناجي ربها( إلهي، أنا غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرق. ولكن غميّ الكبير أن أعرف: أراضٍ عني أم غير راضٍ؟)..عندها سمعت صوتاً يقول لها( لا تحزني! ففي يوم الحساب يتطلع المقربون في السماء إليك، ويحسدونك على ما ستكونين فيه).. وعندها اطمأن قلبها لذلك الصوت الغيبي، فتنهض وتعود إلى بيت سيدها).

وهنا يعلق الدكتور سميح عاطف الزين حول حادثة السوق ويقول يريد العطار أن يلهمنا أن هنالك عناية إلهية خاصة تحيط حيات رابعه، ولكن العطار وقع في خطأ فادح، فالصوت الغيبي الذي سمعته رابعه من الحي يقرر غيباً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مع أن الوحي أياً كانت أنواعه وأشكاله، قد قطع عن الأرض بعد وفاة سيدنا محمد( صلى الله عليه وسلم).

ومن شطحات الصوفيين ومبالغاتهم وخروجهم عن المألوف والمعروف، يحكى أن إبراهيم بن أدهم ذهب إلى الحج ماشياً على قدميه، وكان يتوقف كل خطوة ليصلي ركعتين فبلغ الكعبة بعد أربعين عاماً.. وكان يقول: (غيري يسلك هذا الطريق على قدميه، أما أنا فأسلكه على رأسي)، ولما بلغها لم يجدها فبكى وقال:( وا أسفاه! أأظلم بصري حتى لم أعد أرى الكعبة؟). فسمع صوتاً يقول: ( يا إبراهيم! لست أعمى، لكن الكعبة ذهبت للقاء رابعة). فتأثر إبراهيم، ثم رأى الكعبة وقد عادت إلى مكانها..ثم شاهد رابعه تتقدم فقال لها: أي رابعه! يا لجلال أعمالك! ثم ما تلك الضجة التي تحدثينها في الدنيا؟ فالكل يقولون: ذهبت الكعبة للقاء رابعة!). فأجابته: ( يا إبراهيم! وما تلك الضجة التي تثيرها أنت في الدنيا بقضائك أربعين عاما حتى تبلغ هذا المكان؟؟ فالكل يقولون إبراهيم يتوقف في كل خطوة ليصلي ركعتين. فقال إبراهيم: ( نعم مضيت أربعين ربيعاً اجتاز هذه الصحراء)، فقالت رابعة: ( يا إبراهيم لقد جئت أنت بالصلاة، أما أنا فقد جئت بالفقر). ثم بكت طويلاً.

هذا ما قاله المؤرخون عنها؛ فمنهم من وقف معها ومنهم من وقف ضدها، فالبعض يراها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي فيقول: ( دخل جماعة على رابعة يعودونها من مرضٍ ألم بها، فسألوها: ما حالك؟ قالت:والله ما عرفت لعلتي سبباً، عرضت عليّ الجنة فملت بقلبي لها، فأحسست أن مولاي غار عليّ فعاتبني، فله العتبى)..وهنا تعني أن الله عاتبها لهذا الميل؛ لأنه مولاها وحبيبها، فتابت وقررت ألا تعود إليه أبداً!.

http://cmadp.com/rabeah.htm

رابعة .. رابحة


    التعايش مع سيرة السيدة رابعة العدوية سباحة في تيارات من أضواء وألوان وعطور روحانية.. الأحداث الخارجية في حياتها قليلة.. لكن أحداث حياتها الروحية بلا حصر.. ودرجات الحب التي عرجت عليها محاولة الوصول إلى رضا محبوبها ورحابه بلا حدود..
    ولدت رابعة في عصر كانت سمته الأولى الترف.. فالمسلمون فتحوا معظم بقاع الأرض المعروفة حينئذ.. وأصبح خراج الدنيا يُجبى إليهم.. بعُدت المسافة الزمنية بينهم وبين عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة.. فساد الترف والركون إلى الحياة الدنيا وزخرفها وزينتها.. واحتاج الزمان والناس إلى صوت يردد نغمة أخرى -النغمة الصحيحة..
في مدينة البصرة .. وفى مطلع القرن الثاني الهجري (حوالي سنة 100 هجرية) ولدت رابعة العدوية لأب عابد فقير لديه ثلاث بنات.. ومات الأب ورابعة لم تزل طفلة دون العاشرة.. ولم تلبث الأم أن لحقت به.. فوجدت الفتيات أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال.. فتفرقن لتبحث كل واحدة منهن عن طريقها..
كانت مدينة البصرة في ذلك الوقت تعاني من وباء اجتاحها وأصابها بالقحط.. مما أدى إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق.. وقد خطف رابعة أحد هؤلاء اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة..
كان التاجر يحمَّل رابعة فوق طاقتها كطفلة لم تشب عن الطوق بعد.. لكنها كانت تختلي بنفسها في الليل لتستريح من عناء النهار وعذابه.. ولم تكن راحتها في النوم أو الطعام.. بل كانت في الصلاة والمناجاة؛ فكانت ممن تنطبق عليهم الآية الكريمة "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ"(الحجرات:7).. ما الذي جعل تلك الطفلة تتجه إلى العبادة.. قد يكون التأثر بأبيها الصالح العابد سببًا، لكن السبب الأساسي في رأيي هو طبيعة شخصيتها، وطبيعة الدور الذي اختارتها السماء لتؤديه في البصرة في تلك الفترة، وفى التاريخ الإسلامي كله بعد ذلك.
وذات ليلة استيقظ سيدها من نومه فسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من خلال الباب -يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها: " فرأى رابعة ساجدة تصلى وتقول: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، وله ضياء يملأ البيت كله، فلما أبصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتى طلع النهار، هنا دعا رابعة وقال: أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فما كان منها إلا أن ودعته وارتحلت".
وجعلت المساجد دارها "واحترفت العزف على الناي في حلقات الذكر وساحات المتصوفة.. والأناشيد في دنيا التصوف، وعزف الناي عند المتصوفة ليس نكرًا ولا بدعًا، بل هو يبعث الوجد ويحرك القلب ويحلق بسامعه" -كما يقول طه عبد الباقي سرور في كتابه " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957).. وكانت رابعة في تلك الفترة في الرابعة عشر من عمرها.. لكن هذه المرحلة من حياتها لم تستمر طويلاً، فقد اشتاقت نفسها للدنيا الخلاء من الناس المليئة بالله وحده.. فقد تخلص قلبها من الدنيا وكل ما فيها، وخلص من الرغبات والشهوات والخوف والرجاء.. لم يبق فيه إلا شئ واحد الرضاء عن الله والعمل على الوصول إلى رضاء الله عنها.. ورفضت كل من تقدم لزواجها، فليس في قلبها مكان لغير الله.. وليس لديها وقت تشغله في غير حب الله.. تقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) :" إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي".
ولقيت رابعة ربها وهى في الثمانين من عمرها.. وقد ظلت طوال أيام وليالي حياتها مشغولة بالله وحده .. متعبدة في رحابه.. طامحة إلى حبه.. وكانت تدعوه دون أن ترفع رأسها إلى السماء حياء منه.. تقول دائرة المعارف الإسلامية في الجزء11 من المجلد التاسع: " رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف".
إن الصورة الراسخة في أذهان الكثيرين لرابعة العدوية هي صورة الغانية التي تمرّغت في حياة الغواية والشهوات حتى إذا آذن شبابها بذهاب اتجهت إلى العبادة والطاعة..
صورة غير صحيحة ومشوهة مسئول عنها بعض الذين كتبوا عن رابعة مثل: الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي"، والشاعر المصري طاهر أبو فاشا في الدراما التي كتبها بعنوان "شهيدة العشق الإلهي" والتي ملأها بشعر على لسان رابعة غنته أم كلثوم، وكذلك الفيلم السينمائي المصري الذي قامت ببطولته "نبيلة عبيد" و"فريد شوقي" وبه أغاني أم كلثوم المشار إليها.. كل هذه الأعمال وغيرها ثبَّتت الصورة المشوهة لرابعة.. وكأن مقتضيات القص أو الفن أو الدراما أو إرضاء الجمهور أو ما شئت من المسميات تبرر ما فعلناه برابعة وغير رابعة من الأعلام..
إذا كانت تلك الصورة القميئة وغير الحقيقية هي نتيجة كل هذه الأعذار فليذهب كل ذلك إلى الجحيم ولتبقى لنا الحقيقة ببراءتها وصفائها ونورانيتها التي نحن بأشد الحاجة إلى استجلاء معانيها ومراميها، وتمثلها في حياتنا الحاضرة التي لا تختلف كثيرًا عن حياة البصرة في مطلع القرن الثاني الهجري .. فمن لنا برابعة أخرى تصرخ فينا أن أفيقوا .. وتأخذ بأيدينا إلى طريق الحب الحقيقي .. الحب الإلهي ؟؟  

منير عتيبة

http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mashaheer-11.asp

نفحات من رابعة العدوية


   

*أحبك حبين حب الهوى

وحبًّا لأنك أهلٌ لذاكا

فأمَّا الذي هو حبُّ الهوى

فشُغلِي بذكرك عمَّن سواكا

وأمَّا الذي أنت أهلٌ له

فكشفُك لي الحُجبَ حتَّى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي

ولكن لك الحمد في ذا وذاكا


* قالت رابعة: لو كانت الدنيا لرجل ما كان بها غنيًّا..!
قالوا : لماذا ؟
قالت : لأنها تفنى!

* إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك.
* يا رب أتحرق بالنار قلبًا يحبك، ولسانًا يذكرك، وعبدًا يخشاك ؟!
* سوف أتحمل كل ألم، وأصبر عليه، ولكن عذابًا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي، ويفكك أوصال الصبر في نفسي، منشؤه ريب يدور في خلدي: هل أنت راضٍ عنى ؟ تلك غايتي.
* سيدي بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبح الحيتان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات، أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار، والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، والنجم الزهار، وكل شيء عندك بمقدار، لأنك الله تعالى العلي القهار.
* قال سفيان الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟
فقالت له: ما عبدته خوفًا من ناره، ولا حبًا لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبًا وشوقًا إليه.
 

*مبلغيأ وزادي قليل ما أراه

أللزاد أبكى أم لطول مسافتي

تحرقني بالنار يا غاية المنى

فأين رجائي فيك ؟ أين مخافتي؟


* كانت رابعة تصلى ألف ركعة في اليوم والليلة! فقيل لها: ما تريدين بهذا ؟ قالت : لا أريد به ثوابًا، وإنما أفعله لكي يُسرَّ به رسول الله يوم القيامة، فيقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها.
* سئلت رابعة: كيف حبك للرسول صلوات الله عليه ؟
قالت : إني والله أحبه حبًا شديدًا، ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين.
* هتف رجل من العبَّاد في مجلس رابعة: اللهم ارضَ عني.
قالت رابعة : لو رضيت عن الله لرضي عنك.
قال : وكيف أرضى عن الله ؟
قالت : يوم تُسرُّ بالنقمة سرورك بالنعمة لأن كليهما من عند الله  

منير عتيبة

http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mashaheer-11a.asp

جمال مارلين مونرو وتقوى رابعة العدوية!!

 

د/نعمت عوض الله


          إن المشكلة المطروحة على الموقع هذه الآونة من أخت تأخر بها سن الزواج إلى ما بعد الثلاثين رغم ما تتمتع به من مواصفات، وهذه المشكلة لا تخصها وحدها، بل نواجهها يوميًّا من الشباب والفتيات، وهي مشكلة اشترك في خلقها الرجال والنساء ثم المجتمع، واسمحوا لي بتساؤلات، وأرجئ تعليقي على المشكلة إذا وجدت ردودًا على مشكلتي:

 أحاول منذ مدة التوفيق بين الناس في الزواج؛ فأتيح لهم فرصة اللقاء والتعارف، وأرشح بعضهم لبعض وإليكم ما يعترضني:

يطالب الرجال دائمًا بامرأة جميلة، والجمال هو جمال ممثلات السينما - أنا لا أمزح - كم من فتيات لم أتصور أن يتم رفضهن لهذا لسبب؛ لأنهن ببساطة في رأيي المتواضع (وأنا امرأة) جميلات، والمرأة أقسى في الحكم على رفيقتها، لكنها لم تنل رضا الرجال؛ لأنها ليست "باهرة الجمال"!.. فالجميع يطلبها بيضاء البشرة، وكأننا نحيا في النرويج أو السويد.. وبما أن بناتنا لا يقبلن العلاقات العاطفية قبل الزواج؛ لأن هذا مما لا يبيحه الإسلام، فهن لا يجدن من يتقدم لخطبتهن إن لم يَكُنَّ على درجة ملفتة جدًّا من الجمال، هل يجيبني أحد الرجال لماذا؟! دعونا من حكاية: تكون جميلة حتى أعف نفسي وأغض بصري، فهي شمَّاعة سخيفة، وقديماً قالوا:

في الظلام تتشابه كل النساء وتتساوى، أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "البُضْع واحد".

         واسمحوا لي بعرض المشكلة من زاوية أخرى: ماذا حدث للاستعداد لدى الفتاة للكفاح مع الشريك وقول البعض: غيري يحصل على الكثير فلماذا أكافح أنا!! ثم أين ذهب المنطق في الاختيار بعد مرحلة سنية معينة، المفروض أن تَقِلَّ الشروط، لا أن تزيد، هل تجيبنني الآنسات بدورهن عن هذا السؤال؟

 ثم رفض العيش مع أم الزوج.. أين نذهب بالأمهات؟! وهل لو عشت مع أمك لن تنغص عليك حياتك؟ هل يشرحون لي - رجالاً ونساء - لماذا يُصَعِّبُون الاختيار ثم يتباكون على المشكلة؟!!

        جاءني شاب في السابعة والثلاثين، ويُصِرُّ على شقراء لا يزيد عمرها عن 25، وحين حاولت أن أثنيه بلطف قال بكل حسرة: ليس بالكثير على الله أن يُهْدِيَني واحدة حلوة وصغيرة أسعدها وتسعدني، فاضطررت أن أنزل به إلى أرض الواقع، وأنه إذا أصر على 12 سنة فرق سن مع فاتنة؛ فيجب أن يقدم سيارة مرسيدس آخر موديل وشاليهات في أجمل السواحل وهكذا!!

        كل فرد في الجنسين يريد الأفضل، ولن أصدق الادعاءات بأن الطلبات عادية إلا إذا احتكمنا للواقع وما يحدث، فقد مللت كلمات متواضعة تمهيدية ثم شروط ما أنزل الله بها من سلطان!

        قلت لشاب مرة: أنت تريد عروسة في جمال مرلين مونرو وتقوى رابعة العدوية وثراء ابنة أوناسيس أو أقل قليلاً، فقال بكل سعادة؛ لأني فهمت ضالته: نعم، ونسي أن عروسًا بهذه المواصفات تطلب عريسًا في وسامة آلان ديلون وإيمان عمر بن الخطاب وثراء أوناسيس شخصيًّا!!

        سؤالي لماذا لا ينزل الجميع إلى أرض الواقع في كل شيء، حتى لو كان الواقع قاسيًا أحيانًا، ولكنه أفضل من لا شيء، فالشابة المحرومة من الجمال قد تتزوج كبير السن قليلاً أو تساعده بمالها وهكذا... والشاب الذي لا يتمتع بمواهب عديدة مثل المال والمنظر فعليه بالتواضع في طلب العروس؛ فإن كانت جميلة فلتكن من أسرة بسيطة، وإن كانت الأسرة رائعة؛ فلتكن الابنة أقل جمالاً وهكذا عندي الكثير ولكنني سأكتفي بهذا الكمّ إلى أن أقرأ ردودًا أخرى.. وشكرًا.

http://islam-online.net/iol-arabic/dowalia/adam-45/aljeser-1.asp

العابدة
(رابعة العدوية)

 

قامت فى جوف الليل تدعو اللَّه ضارعة وتقول: إلهي، أنارتْ النجوم، ونامتْ العيون، وغلقتْ الملوك أبوابها، وهذا مقامى بين يديك، إلهي.. ما أصغيت إلى صوت حيوان، ولا حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنُّم طائر، ولا تنعم ظل، ولا دوِى ريح، ولا قعقعة رعد... إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك، دالة على أنه ليس كمثلك شيء. سَيدِى بك تقرّب المتقربون فى الخلوات، ولعظمتك سَبَّحَتِ الحيتان فى البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات. أنت الذي سبح لك سواد الليل، وضوء النهار، والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، والنجم الزهار، وكل شيء عندك بمقدار؛ لأنك اللّه العلى القهار.
وذات مرة قالت لأبيها: يا أبتِ، لستُ أجعلك فى حلٍّ من حرام تطعمنيه. فقال لها: أرأيت إن لم أجد إلاحرامًا؟ قالت: نصبر فى الدنيا على الجوع، خير من أن نصبر فى الآخرة على النار.
إنها رابعة بنت إسماعيل العدوية، وُلدت بالبصرة لرجل فقير صالح، ومات أبواها، وتركاها صغيرة تواجه مع أخواتها الثلاث صعوبات الحياة. ولما حلّ الجفاف هاجرت أخوات رابعة بينما أبت الهجرة معهن فتركنها وحيدة، حتى وجدها اللصوص، فأخذوها وباعوها لتاجر ثرى ذاقت تحت يده ذل الرق والعبودية. فلما علم التاجر أنها تصلى طوال الليل، ذهب ليتأكد من ذلك فسمعها تدعو: إلهى أنت تعلم أن قلبى يتمنى طاعتك، ونور عينى فى خدمتك، ولو كان الأمر بيدى لما انقطعت لحظة عن مناجاتك. ولكنك تركتنى تحت رحمة هذا المخلوق القاسى من عبادك. فرقّ لها فأعتقها وأطلق سراحها.
انصرفت رابعة بعد ذلك للزهد والعبادة وقراءة القرآن، وظل ذلك دأبها طوال عمرها.
وجاء أحد التجار يطلبها للزواج، فقال لها: إننى أربح فى اليوم ثمانين ألف درهم وأنا أخطبك لنفسي. فقالت له: إن الزهد فى الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن. صُم دهرك ، واجعل الموت فطرك، فما يَسُـرُّنى أن اللّه خولنى أضعاف ما خولك، فيشغلنى به عنه طرفة عين، والسلام.
وعندما أتى رجل إليها ليعطيها أربعين دينارًا وقال لها: تستعينين بها على بعض حوائجك. بكت، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أنى أستحى منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أريد أن آخذها ممن لا يملكها؟ يا هذا وما ترى من سوء حالي؟! ألستُ على الإسلام؟! فهو العز الذي لا ذُل بعده، والغنى الذي لا فقر معه، والأنس الذي لا وحشة معه. فقام الرجل وهو يقول: ما سمعتُ مثل هذا الكلام. فقالت له: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلُّ، وأنت تعلم فاعمل.
كانت رابعة العدوية تصلى الليل، فإذا طلع الفجر هجعت فى مُصَلاها هَجْعَة خفيفة حتى يسفر الفجر، فتثب من مرقدها وهى فزعة وتقول: يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامى نومة لا تقومين منها، إلا لصرخة يوم النشور. ثم تبكى وهى ساجدة فإذا رفعت رأسها يُرى موضع سجودها مبلل من دموعها.
قال لها رجل ذات يوم: يا رابعة ادع لى ! فقالت: من أنا، يرحمك اللّه؟!أطع ربك وادعه؛ فإنه يجيب المضطرين.
وقالت لها امرأة: يا رابعة، إنى أحبك في اللّه. فقالت لها: فلا تعصى وأطيعى من أحببتنى فيه، فسألتها: أترين من تعبدينه؟ فقالت: لو كنت لا أراه ما عبدته.
عاشت رابعة حتى صارت عجوزًا كبيرة لها ثمانون سنة، وكانت من زهدها فى الحياة أن بدت ضعيفة تكاد تسقط على الأرض وهى تمشي. وكانت تضع أكفانها أمامها، فإذا ذُكر الموت انتفضت وأصابتها رعدة.
وحين قرب موتها قالت لخادمتها عبدة: يا عبدة لا تُؤْذِنِى بموتى أحدًا (أى لا تُخبريه)، وكَـفِّـنِـينِى فى جُبَّتى هذه وفى خمارى الصوف؛ ليكمل لى بهما ثوابى يوم القيامة .
وتوفيت فى سنة مائة وخمس وثلاثين من الهجرة وعمرها ثمانون عامًا. وقبرها يقع بظاهر القدس .
ومن أقوالها المأثورة:
أستغفر اللَّه العظيم من قلة صدقي في قولي. أستغفر اللَّه.
* كلوا خبز الدنيا واعملوا للآخرة.
* مُحِبُّ الله لا يَسْـكُنُ أنينُه وحنينُه حتى يسكن فى جنة محبوبه.
* وكانت توصى الناس بقولها: اكْـتُمُوا حسناتِـكُمْ كما تكتمون سيئاتكم.
 

http://www.uaearab.com/nsaa/al3abeda.htm

 

رابعة العدوية البصرية.. قديسة عراقية..

 صبيحة ثويني / السويد/ sabina_391@hotmail.com

 

رابعة (رسم شريفة السديري)

 

يضطلع  البحث في  سيرة السيدة( رابعة العدوية) بمتعة إستثنائية، لما ترسيه على شاطىء العاطفة في ميناء الحب الإلهي، وما تركبه من قارب التضحية وبذل الذات والزهد والسمو فوق بريق الدنيا ومتعها. ودرجات الحب التي عرجت عليها ما هي إلا محاولة الوصول إلى رضا ورحابه ليس لها حدود.. وهكذا فأن التعايش مع سيرة رابعة سباحة في تيارات من أضواء وألوان وعطور روحانية، تشغل الأحداث الخارجية في كنفها شحيح الخبر، لكن أحداث حياتها الروحية لا تحصر.

كنيت بـ"قديسة الإسلام" وهي من قلائل أقطاب التصوف العراقي، ممن أطلعنا على سيرهم، من خلال عمل درامي الذي وسع دائرة معرفتنا بهم.و بالرغم من العمق الزمني البعيد لمجريات حياتها،  فأن فيلم (رابعة العدوية) المنتج في  بواكير ستينات القرن العشرين،  لم يلمس الكثير من حقائق الفكر والتأثير والبيئة الحضارية.

 

ان ( رابعة) مكناة ب(أم الخير)، وهي بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي(100 هـ -718م)، وكانت لأب عابد فقير. ومات الأب و(رابعة) لم تزل طفلة دون العاشرة. ولم تلبث الأم أن لحقت به. فوجدت الفتيات(رابعة واخواتها) أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال. فذاقت (رابعة) مرارة اليتم الكامل، دون أن يتركا والديها من أسباب العيش لها سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة(معيبر) في إحدى أنهار البصرة. خرجت لتعمل مكان أبيها ثم تعود بعد عناء تهون عن نفسها بالغناء.  وبذلك أطلق الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف الأبوي. وبعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وقحط أو وباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة.. وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق.. وقد خطف رابعة أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من آل عتيك البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب.. ولم تتفق آراء الباحثين على تحديد هوية رابعة، البعض يرون أن (آل عتيق) هم (بني عدوة) ولذا تسمى العدوية.

 

البصرة

 

ونقل البعض أن أسمها (رابعة) جاء بسبب ولادتها بعد ثلاث بنات، لكننا نعتقد بأن أسم (رابعة) يمت لدلالات رمزية ترد من الوضوح والتوسط كما في (رابعة النهار)، ولا نستبعد أن يكون استرسالا من  حظوة المربع والأربعة والتربيع و المرابع والربع (الجماعة) التي وردت في الثقافة العراقية، ونجدها صريحة لدى الآشوريين في (أربع أيل) أو ( أربيل اليوم)، وهو ما يوحي بدلالات الاتزان والعدل والوسطية والاستقرار والتكافؤ، التي تأخذها صفة المربع الهندسي. ومازال أسم (رابعة أو ربيعة) تطلق في العراق على النخلة إذا ارتفعت وطالت ولم تنل ثمارها.

بدأت "رابعة" بحفظ القرآن والعبادة والتهجد في الليل، و اختلفت الآراء حول طبيعة حياتها، وقيل أنها عاشت حياتها بلا بيت، وبلا مال، وبلا زواج، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، (هذا ما قاله العطار)، وأنها كانت على قدر من الحسن والجمال.حدث ذلك بعد أن أعتقها سيدها بما لمسه من جفاء لديها، وشرود وإنشغال روحاني ثم منام، فأمر بإعتاقها.  وعزاه آخرون ومنهم العطار إلى أنه سمعها تقول مخاطبة الله: (إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك). وجعلت المساجد دارها واحترفت العزف على الناي والأناشيد في حلقات الذكر وساحات المتصوفة. وعزف الناي عند المتصوفة ليس نكرًا ولا بدعًا. وكانت حينئذ في الرابعة عشر من عمرها. لكنها اشتاقت للدنيا الخلاء والانقطاع عن الناس، فانقطعت وتبتلت..

 

وتقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) :" إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي". وتضيف دائرة المعارف الإسلامية: ( رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف". وكانت متواصلة البكاء على فقدان الحبيب الوحيد "الله عز وجل" فقضت ترغب في الوصال معه. وعاشت  ضياء نفس بين عتمة الأنفس، وزيت إيمانها  كان يحترق في محرابها ثم زهدت وورعت وجاهدت نفسها و علمت قصدها ومارسته  بسلوكها الإيماني بيقين  تام.

الزهد الإسلامي

لا يمكن أخذ ظاهرة (رابعة العدوية) ومذهبها في هذا السياق بعيدا عن الدفق الفكري والحضاري المتراكم في البيئة البصرية العراقية، الحبلى بمآثر وفلسفة، يمتد شوطها بين سومر حتى آرام ثم الإسلام.

وترجع الباحثة نظلة الجبوري الفكر الصوفي وممارسة الزهد  إلى جذوره الرافدية، حيث تذكر بأن التاريخ سجل للإنسان العراقي القديم في بلاد سومر وبابل وآشور أول صلة بينه و الآلهة والطبيعة في الألف الخامس ق. م. ويبدو ذلك واضحاً في أسطورة الخليقة البابلية السومرية (كلكامش) وعنوانها البابلي (حينما في العلى)  ومجازا تعني (أيام السماء). ففي هذه الأسطورة بدايات الفكر التأملي الواعي للإنسان القديم في معرفة أصل الوجود والإنسان والأشياء فصارت من ثم نظرية كونية لاهوتية روحية تنطوي على ايمان راسخ ومبدأ عقائدي ثابت.

 ونظرا لبعد زمانها عنا، وبعد أن أطلعنا حديثا على بحوث الحفريات في حضارات العراق القديمة، وكذلك الأديان، على مآثر( ماني البابلي)(213-277م) مؤسس الديانة المانوية(الثنوية). كل تلك المعطيات تقلل العجيب في أمر رابعة، حينما مارست العشق بصورة غريبة في الإسلام، وربما لم تكن غريبة في المانوية مثلا. ونرجح أن يكون قد بعث أو نضج فيها فكر محلي هو امتداد للعرفانية المتمثلة بالصائبية والزهد الرهباني المسيحي، حيث شكلت شرارته التغيير الجذري الذي أحدثه شعاع الإسلام. ثم أخذ الأمر مداه الوقتي في الإستيعاب والتقمص. فظهرت المحاكاة، وطفح الموروث إلى السطح بعد حين، بما ندعوه (الثابت والمتغير) في كنف الثقافة الواحدة. وهكذا نلمس محاكاة وتطابق مع سيرة الداعية (ماني البابلي). أو لتقريب الصورة نجدها إستنساخ لظاهرة (هند) بنت المنذر ملك الحيرة التي ترهبت وتبتلت وزهدت نصرانيا. وهكذا فأن (رابعة) لم تبعد عن بيئة ماني، وربما من قبله، ثم هند من بعده؛ سوى أن وسيلتها هذه المرة كانت الإسلام؛ وغاياتها كان صفاء النفس و عودة لنقاء الروح الذي أفتقدته الحياة في مد الحضارة المادية وسطوتها. وهكذا يمكن تلمس الأفق النفسي في موضوع رابعة حينما تسنى لها  نقل ممارسة الزهد إلى الأفق الصوفي الإسلامي.

وظهرت في الكوفة جماعة من أهلها اعتزلوا الناس وأظهروا الندم الشديد بعد مقتل الإمام الحسين(ع)، وسموا أنفسهم بالتوَّابين أو البكَّائين. كما ظهرت طبقة من العباد غلب عليهم جانب التشدد في العبادة والبعد عن المشاركة في مجريات الدولة، مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة، واشتغالهم بالكتاب والسنة تعلماً وتعليماً. كما ظهر فيهم الخوف الشديد من الله تعالى، والإغماء والصقع عند سماع القرآن الكريم مما استدعى الإنكار عليهم من بعض الصحابة وكبار التابعين كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم، وبسببهم شاع لقب العبَّاد والزُهَّاد والقُرَّاء في تلك الفترة.

وبرزت أول طبقة للزهاد في البصرة من أمثال : إبراهيم بن ادهم، مالك بن دينار، وبشر الحافي وعبد الواحد بن زيد،ومن ضمنهم رابعة العدوية، وطفحت ظاهرة تعذيب النفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم، والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج. يقول مالك بن دينار : (( لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، ويأوي إلى مزابل الكلاب )). وفي الكوفة أخذ معضد بن يزيد العجلي هو وقبيله يروِّضون أنفسهم على هجر النوم وإقامة الصلاة، حتى سلك سبيلهم مجموعة من زهاد الكوفة، فأخذوا يخرجون إلى الجبال للانقطاع للعبادة، على الرغم من إنكار ابن مسعود عليهم في السابق.

وحدث تباعا إنفصال بين الزهد و التصوف، وما انتقال الظاهرتين  إلى بغداد إلا سببا حقيقيا في  اضمحلال الأولى وتطور الثانية،حيث تخلى المتصوفة بالتدريج عن لبس الصوف المقترن بكنيتها وتحمل شظف العيش، فمارس المتصوفة ضروب من العافية والتمتع بنعيم الدنيا. روى الهجوري في(كشف المحجوب) قال: "جاء أمير البصرة إلى (رابعة) يعودها وقد حمل إليها أموالاً كثيرة وسألها أن تستعين بها على حياتها، فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أني استحي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف آخذها ممن لم يملكها. وحذرت أمير البصرة أن يعود إلى مثلها". كانت تنام على حصيرة بالية. وكان موضع الوسادة قطعة من الآجر، وكانت تشرب من إناء مكسور، وتطوي ليلها مسهدة، تصلي لله وتناجيه. قالت عبدة خادمتها: "ولما حضرت رابعة الوفاة دعتني، فقالت: يا عبدة: لا تؤذني بموتي أحداً، ولفيني في جبتي هذه. قالت فكفنّاها في تلك الجبة وخمار صوف كانت تلبسه"..

 

 

البصرة.. مدينة رابعة

 

قيل عنها وقالت

ومثلما هو ديدن البشر بإلصاق المناقب بالمحبوب والمثالب بالمكروه، فقد نسج على رابعة ما يفوق العقل والمنطق، ونسب إليها ما ليس لها.وهكذا اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة( رابعة)، فظهرت أساطير وحكايات عنها وأغلبها من نسج الخيال. ظهرت خلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن (رابعة العدوية) أمثال: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن هؤلاء المؤرخون الجاحظ و العطار والمناوي. العديد منهم والمؤرخون منهم من وقف معها ومنهم من وقف ضدها، فالبعض يراها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي.

وأستهجن أصحاب السلفية أقوال  (رابعة العدوية) في الحب والعشق الإلهي للتعبير عن المحبة بين العبد وربه. وأورد محبيها وهم كثر عكس ذلك، فجاء في الدر المنثور:(كانت كثيرة البكاء والحزن)، وهذه ربما سجية عراقية مازالت ترتع بين أناسه حتى اليوم وتقمصها التشيع العراقي وسار بها قدما. وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة : أنّ(رابعة) كانت تقول في مناجاتها : (إلهي تحرق بالنار قلباً يحبّك).وقال ابن خلكان في ترجمتها : إنّها كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة.

 ومن تواضعها أن جاءها رجل يومًا يطلب منها الدعاء فقالت: ((من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب دعوة المضطر)). وكانت تبكي في سجودها حتى يبتل موضع رأسها. ويقال عرض عليها الزواج من صاحب غنى وجاه واسع فكتبت له: "أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، وإن الرغبة فيها تورث الهم والحزن.. فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام". وما أكثر زهد "رابعة" في حب الثناء والمديح من الناس مخافة مداخل الشيطان والرياء والسمعة والتصنع للخلق. وكانت تقول : (ما ظهر من أعمالي لا أعدّه شيئا)ً. ومن وصاياها : (اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم).

 وكان من سمات "رابعة" أنها لا تتعجل الانصراف من وقوفها بين يدي الله، بل تحب طول المقام لما يحيط بها من نفحات وفيوضات ورحمات وطمأنينة ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ... ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: من الآيات 62-64). وقيل أيضاً : إن سفيان الثوري قال لها ذات يوم : ( صفي لي درجة ايمانك واعتقادك باللّه جلّ وعلا، فقالت رابعة : إنّي لا أعبد اللّه شوقاً إلى الجنة، ولا خوفاً من جهنم، وإنما اعبده لكمال شوقي إليه، و لإداء شرائط العبودية ). و قال خالد بن خداش : سمعت رابعة صالحاً المريّ يذكر الدنيا في قصصه فنادته : يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره.

 

و قال ابن كثير): أثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر. وقال ابن كثير أيضاً : وقد ذكروا لها أحوالاً وأعمالاً صالحة، وصيام نهار وقيام ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم). وقال الإمام الذهبي في السير :قال أبو سعيد بن الأعرابي : أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها.

ومن أقوالها في الحب الإلهي(إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك). وقالت رابعة(  لو كانت الدنيا لرجل ما كان بها غنيًّا..!، قالوا : لماذا ؟ قالت : لأنها تفنى!).

 

ومن أدعيتها :

ـ إلهي.. أنا فقيرة إليك.. سوف أتحمل كل ألم و لكن عذابا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكك وصال الصبر في نفسي.. منشورة ريب في خلدي..هل أنت راض عني، تلك هي غايتي.

ـ  اللهم اجعل الجنة لأحبائك.....والنار لأعدائك..أما أنا فحسبي أنت.

 ـ اللهم إن كنت أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بنار جهنم وإذا كنت أعبدك طمعا في جنتك فاصرفني منها.. أما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمني من رؤية وجهك الكريم.

ـ إلهي.. أنارت النجوم ونامت العيون و غفل الغافلون وغلقت الملوك أبوابها وخلا  كل حبيب بحبيبه، و هذا مقامي بين يديك.

ـ إلهي..ما أصغيت إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنيم طير و لا تنعم ظل و لا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك. على أنه ليس كمثلك شيء.
         ـ إلهي.. بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات.. أنت الذي سجد لك سواد الليل و ضوء النهار والفلك الدوار والبحر الزهار،وكل شيء عندك بمقدار..لأنك الله، العلي القهار.                                                              
    ـ إلهي.. إن رزقي عندك وما ينقصني أحد شيئا ولا يسلبه مني إلا بقضائك.. والرزق منك.. فاللهم أسألك الرضا بعد القضاء.

   ـ  إلهي.. هذا الليل قد أدبر.. والنهار قد أسفر.. فليت شعري.. هل قبلت مني ليلتي فأهنأ أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني..

ـ اللهم إني أعوذ بك من كل ما يشغلني عنك.. ومن كل حائل يحول بيني وبينك..إلهي إن لم يكن بك غضب علي بلا أبالي).

 

شعرها

ولم تشذ رابعة عن بيئتها الاجتماعية،المحبة للشعر، فنظمت،ونقل عنها الكثير، وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف هذين البيتين :

إنّي جَعلتكَ في الفؤاد محدّثي      وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي

فالجسمُ مني للجليس مؤانس        وحبيبُ قلبـي فـي الفؤاد أنيس

ومن شعرها:

راحتي يا إخوتي في خلوتي      وحبيبي دائماً في حضرتي

لم أجد لي عن هواه عوضا      وهواه في البرايا محنتي

حيثما كنت أشاهد حسنه         فهو محرابي، إليه قبلتي

إن أمت وجداً وما ثم رضا      وأعنائي في الورى! وأشقوتي

وقد أكدت خادمتها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: " كانت لرابعة أحوال شتى: فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها اليأس، وتارة يغلب عليها البسط، ومرة يغلب عليها الخوف"... ولكن العشق الإلهي كما رأينا يبقى طابعها المميز، ورائدها في تصوفها.  فهذه أبيات في إنشادها العشق الإلهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة         وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر      وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين      وكل الذي فوق التراب تراب

وكانت أشعارها تثير لغطا وشكوكا بشأن عمق التدين لديها، ولاسيما بالنسبة للسلفيين اللذين ظنو أنها مجرد أداء للشعائر، دون الالتزام الكامل بمنهج الله تعالى. وقد تنبهت لذلك رابعة العدوية فقالت :

        تعصي الإله وأنت تظهر حبه         هذا لعمري في الفعال بديع

 لو كان حبك صادقاً لأطعته       إن المحب لمن يحب مطيعٌ

 

خاتمتها

 خرجت "رابعة" من الحياة بعد أن بلغت الثمانين من عمرها، وكانت وفاتها في سنة( 135هـ -751م)، ذكره ابن الجوزي في شذور العقود، وهو غير دقيق، وقال غيره سنة ثمانين ومائة أو حتى سنة ( 185هـ- 801م) وهو الأرجح، وقبرها يزار، وهو بظاهر مدينة القدس من شرقيه على رأس جبل يسمّى الطور وقد ذاقت البلاء، لكنها تمتعت بالأنس بالله والفرح بطاعته، وكانت ترى أنه لا راحة للمؤمن إلا بعد الموت على الإيمان، وقد كفنت في جبة من شعر.

وفي سيرة رابعة الكثير من العبر، التي نحتاجها في أيامنا هذه كونها أمرأة، بدأت بسيطة، لكنها أثبتت جدارتها في العلم  والعمق الروحي الذي أقتصر على الرجال، ولم تظهر بعدها ما يدانيها في منزلتها، والأهم في تقصي طبعها الذي كان بوتقة مهدية أمتزج في كنفها الإيمان والعقل ووسع الأفق، مع غريزة الأمومة الحنون، الصادر من باطن نفسها الأنثوية. لقد تسنى لها أن تحول الزهد من الخوف إلى الحب، ومن المجهول إلى المعرفة، ومن الحرمان إلى الرضا، ومن القسوة إلى الإشراق، وهي أول من جعلته شرعة ذات ألوان روحية، وأهداف وجدانية، وأطلقت فيه تيار التسامي والتصعيد، والتحليق إلى الأفق الأعلى. وتعلمت رابعة من درس الزهد، أن قلباً أضاءه حب الله، لا ينشغل بالدنيا، فأعرضت عنها وترفعت وأخذت نفسها بعظائم الأمور، وهي ما نسميه المضمون بعيدا عن الشكل، وهي إشكالية فلسفية بين(الشكل والمضمون) مازالت تطرق أبواب حياتنا في شتى مناكبها.

وما ينفعنا من ذكرها أن (السيدة رابعة ) أمة الله البصرية، أبدلت الخوف بالحب والخشية بالتقرب، والزهد ببهرج الدنيا، والأهم أنها حلت المحبة والتسامح والمسالمة محل العدوانية والعنف في سجايا البشر. فقد دعت إلى قبول الأعداء ومسامحتهم، ونبذ الضغينة، بعد أن أمتلئ كيانها وقلبها بالحب لله ومخلوقاته، ولم تعد تجد في هذا النابض مكانا للكراهية... فأين نحن منها؟.

 

المصادر

1.          القرآن الكريم

2.          البداية والنهاية للامام اسماعيل بن كثير الدمشقي  الجزء 10/  186

3.          دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440)

4.          الدكتور عبد الرحمن بدوي - "رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي" 1948

5.          رشيد سليم الجراح- ( الزاهدة التائبة رابعة العدوية، شهيدة الحب الإلهي) بغداد1988م - دار التربية

6.          الشيخ عبدالرحمن السحيم- مقال (رابعة العدوية)

7.          طه عبد الباقي سرور " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957

8.          عبد الباقي سرور " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957)

9.          مريم سليم - و خالد خميس فــرَّاج- مقال العابدة الزاهدة رابـــعة العدويــة

10.       نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي الجزء 2/635،.دار الأندلس-جدة

11.       نظلة أحمد الجبوري –مقال ( الخطاب الصوفي والروحي في التراث الرافديني) مجلة الفي ياء- بغداد

ــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.mesopotamia4374.com/adad2/rabaa.htm

رابعـة العدوية و التصوف

 
 شيخنا الفاضل ، يقول البعض أن رابعة العدوية كانت صوفية ...
ومن أدعيتها .....
إلهي .. أنا فقيرة إليك .. سوف أتحمل كل ألم و لكن عذابا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكك أوصال الصبر في نفسي .. منشورة ريب في خلدي ...هل أنت راض عني............تلك هي غايتي
اللهم اجعل الجنة لأحبائك.....والنار لأعدائك ......أما أنا فحسبي أنت
اللهم إن كنت أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بنار جهنم وإذا كنت أعبدك طمعا في جنته فاصرمنيها ....أما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمني من رؤية وجهك الكريم
إلهي ...أنارت النجوم ونامت العيون و غفل الغافلون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه ،،و هذا مقامي بين يديك..
إلهي..ما أصغيت إلى صوت حيوان ولا حفبف شجر ولا خرير ماء ولا ترنيم طير و لا تنعم ظل و لا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك على أنه ليس كمثلك شيء
إلهي ....بك تقرب المتقربون في الخلوات ، ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات و لجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات .. أنت الذي سجد لك سواد الليل و ضوء النهار والفلك الدوار والبحر الزهار ، وكل شيء عندك بمقدار.....لأنك الله......العلي القهار
إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي
إلهي ..إن رزقي عندك وما ينقصني أحد شيئا ولا يسلبه مني إلا بقضائك ....والرزق منك....فاللهم أسألك الرضا بعد القضاء
إلهي ... هذا الليل قد أدبر .. والنهار قد أسفر ..فليت شعري .. هل قبلت مني ليلتي فأهنأ أم رددتها على فأعزى ، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني...
اللهم إني أعوذ بك من كل ما يشغلني عنك .. ومن كل حائل يحول بيني وبينك....إلهي إن لم يكن بك غضب علي بلا أبالي
__________
وهناك الكثير من الدعاء حذفته و لا أستطيع أن أنشر مثله من تشبيه الله عز وجل بالملوك الآخرين ولكنه .... - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا - أو مخاطبته سبحانه بـ - يا سيدي - !!!!
______
أفيدونا أفادكم الله .

أجاب فضيلة الشيخ عبدالرحمن السحيم

بارك الله فيك أختي الداعية

بالنسبة لـ " رابعة العدوية "
قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وأما ما ذُكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت : إنه الصنم المعبود في الأرض ، فهو كذب على رابعة ، ولو قال هذا من قاله لكان كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل ، وهو كذب فإن البيت لا يعبده المسلمون ، ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إليه ، وكذلك ما نقل من قولها : و الله ما ولجه الله ولا خلا منه ، كلام باطل عليها . انتهى كلامه – رحمه الله – .
وقال الإمام الذهبي في السير :
قال أبو سعيد بن الأعرابي : أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة ، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها .

وهذا يؤكد على حقيقة كبرى طالما غفل عنها الشانئون
وهي أنه ليس بين أهل السنة وبين خصومهم عداوة حتى يتقوّلوا على هذا أو على ذاك .
بل ما قاله الخصم وثبت عنه رُد عليه وانتُقِد بسببه كما ردوا على ابن عربي الطائي الصوفي الحلولي الهالك .
و لكنهم التمسوا العذر لمثل رابعة التي لم يثبت هذا عنها .
كما أثنوا على الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وإن كانت الصوفية ألصقت فيه ما ليس له .
كما ألصقت الروافض بجعفر الصادق – رحمه الله – وقبله بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ألصقوا فيهم ما ليس لهم وما هم منه براء .
وعلى كُلٍّ : كل يؤخذ من قوله ويُردّ إلا محمد صلى الله عليه وسلم . كما قال الإمام مالك – رحمه الله – .

انتهى
------------------

قال أبو عمر المنهجي :
ومن أقطاب المرحلة الإنتقالية "ربما يكون عبدالواحد بن زيد ورابعة العدوية من أقطاب هذه المرحلة الإنتقالية،واستحدثت كلمة العشق للتعبير عن المحبة بين العبد والرب ويرددون أحاديث باطلة في ذلك مثل: (إذا كان الغالب على عبدي الإشتغال بي جعلت نعيمه وذكره ولذته في ذكري عشقني وعشقته!!!) .
وبدأ الكلام حول العبادة لا طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار،وإنما قصد الحب الإلهي،وهذا مخالف للآية الكريمة: {يدعوننا رغباً ورهباً} .
ومثل قول رابعة لرجلٍ رأته يضم صبياً من أهله ويقبله: "ما كنت أحسب أن في قلبك موضعاً فارغٌ لمحبة غيره تبارك اسمه!) [أنظر سير أعلام النبلاء 8/156] وهذا تعمقٌ وتكلف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُقبل أولا ابنته ويحبهم". الصوفية 21-22.
قلتُ:
هل تأملت هذا الضلال!!! هو مرحلة من مراحل التخبط والإنحراف..
وعلقت على الأخير،فهل هي متفوقة على روسل الله عليه السلام بموقفها هذا؟؟!!!أعوذ بالله من ذلك!وللمعلومية فإن رابعة العدوية "تكلم فيها أبو داود السجستاني [صاحب السنن أحد الكتب الستة] واتهمها بالزندقة!! ،فلعله بلغه عنها أمر،توفيت بالقدس سنة 185هـ.انظر ابن كثير/البداية والنهاية 10/186.قال ابن تيمية:قال بعضهم مَنْ عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق،ومَنْ عَبَدَ الله بالخوف وحده فهو حروري،ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ،ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.انظر الفتاوى 10/81" المصدر السابق.
قلتُ:
وهذا كلام من أبي داود يجب أن يتأمل!!!
وكلام شيخ الإسلام نفيس!!!وهو مطرقة في رأسِ أهل الأهواء من الصوفية وغيرهم!!

وعد إلى كتاب د-محمد جميل غازي رحمه الله الصوفية والوجه الآخر الجولة الرابعة [يعني بالجولة الصحفية] رابعة العدوية الشخصية والأسطورة من ص46 إلى ص55 يقول الشيخ "لقد رووا عن رابعة نفسها: أن سفيان الثوري -على حد ما زعموا- سألها: (يا رابعة هل تكرهين الشيطان؟!! فقالت: ان حبي لله لم يترك في قلبي كراهية لأحد!!"
أعوذ بالله ولا الشيطان الذي أمرنا ببغضه هو وأوليائه؟!!

جمعها وأعدها 
أبو عمر المنهجي - شبكة الدفاع عن السنة

 

http://saaid.net/feraq/sufyah/33.htm

الجولة الرابعة : رابعة العدوية .. الشخصية والأسطورة

الدكتور محمد جميل غازي

 
غضب الله لإطلاق لفظ الأنثى على ملائكته !
ابن عربي يتغزل في بنت الشيخ مكيز..!
الزهد لا يكون في الحلال، وإنما في الحرام!

مجلة التوعية الإسلامية لموسم الحج.. لما لها من مكانة عند الدكتور محمد جميل غازي.. نأمل أن يتحدث على صفحاتها.. إلى "ضيوف الرحمن" على بعض الشخصيات التي تدعى الصوفية أنهم من كبار قادتها.. ولتكن البداية "برابعة العدوية" ولعل هذا الاختيار قام على اتساع شهرتها بين المتصوفة، وما ذاع وشاع حولها من أساطير.. وقد امتلأت كتبهم بآلاف الصفحات التي كتبت عنها.. وبعضهم يصفها بأنها خير نساء الأرض.. مع مجافاة ذلك للواقع.. فهلا تفضلتم مشكورين.. بتسليط الأضواء على هذه الشخصية الغريبة؟
رابعة العدوية واحدة من المتصوفين الذين اتخذوا لهم منهجاً في العقيدة، ومنهجاً في العبادة، أما منهجهم في العقيدة فهو مجموعة أفكار غريبة عن الإسلام مأخوذة من الديانات القديمة كالهندوكية، والزرادشتية، والفارسية، والإغريقية، والمسيحية، وغيرها من الأديان الأخرى ومجموعة هذه الأفكار أدت بهم إلى عقيدة معينة توهموها واعتنقوها فقالوا بالحلو، وقالوا بوحدة الوجود، وقالوا بالإشراق أو ما شاكل ذلك، ولن نناقش ما يعتقدونه الآن. فنحن نركز على أربعة بالذات وما قالته، وما نسبه إليها، وما نسج حول شخصيتها من خرافات وأوهام.

لماذا نعبد الله ؟
والصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة "صوفيا" وليس كما يقولون أنه مأخوذ من الصوف لأنه كان لباس المسيح عليه السلام، فلقد رد عليهم "ابن تيمية" في رسالته عن "الصوفية والفقراء" فقال: نحن أولى بهدي محمد صلى الله عليه وسلم من هدي عيسى بن مريم ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف يلبس القطن ويلبس الكتان، هذا إذا سلمنا جدلاً أن عيسى عليه السلام كان ينفرد بلبس الصوف، أو كان لا يلبس شيئاً غير الصوف.. "ورابعة العدوية" كما قلت هي واحدة من هذه المدرسة.
وحينما تقول إنها لا تعبد الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته تخالف نص القرآن الكريم، وإن كانت هي بهذا تنتمي إلى مدرستها تماماً.. فالمدرسة الصوفية هي التي تعتبر أن الذين يعبدون الله من أجل جنة أو خوفاً من نار إنما يتعاملون مع الله، أو يعبدون الله، عبادة التجار كما أطلقوا عليها.
مع أن هذه العبادة التي يسمونها عبادة التجار هي عبادة رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه كما قال الله عنهم في سورة الأنبياء بعد أن عدد أسماءهم نبياً نبياً، ورسولاً رسولاً: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] فالله يقول عن أنبيائه: إنهم كانوا يدعونه سبحانه وتعالى راغبين في ثوابه خائفين من عقابه، والرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا للأعرابي الذي جاءه وقال له: يا رسول الله إني أسال الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أحسن دندنتك ولا دندنة "معاذ بن جبل" فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ”حولهما ندندن“ (يعني حول الجنة والنار) فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدندن حول الجنة والنار فكيف يتأتى لواحدة "كرابعة العدوية" قالوا عنها أنها كانت مغنية، وقالوا عنها أنها كانت راقصة، وقالوا عنها كلاماً كثيراً، كيف تأتى لهذه التي عاشت عمراً في الغناء وفي الرقص.. كيف يتأتى لها أن تسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تسبق رسل الله جميعاً في المعرفة بالله والعلم به سبحانه وتعالى؟ ثم ما هذا الذي تقوله؟ إنها تعبده لذاته ما معنى هذا؟ وما معنى قولها في ربها في الشعر الذي نسب إليها:

أحبك حبين حب الهوى *** وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذاتك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له *** فكشفك لي الحجب حتى أراكا

ما هي هذه الحجب التي تنتظر "رابعة" أن تنكشف لها حتى ترى الله، مع أن الله سبحانه وتعالى قال "لموسى" عليه السلام حينما قال له: { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } [الأعراف: 143].
ولقد اتفقت الأمة المسلمة الواعية على أنه لا يمكن للبشر أن يروا الله سبحانه وتعالى في الدنيا لأن الإنسان بحالته هذه، وهو في الدنيا لا يستطيع أن يواجه تجلي الله سبحانه وتعالى كما حدث بالنسبة "لموسى" { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا } [الأعراف: 143] فالرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أعظم مكاناً، وأعظم مكانة قال حينما سئل: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه".
ولا نلتفت لرواية الصوفية لهذا الحديث حيث رووه هكذا، قالوا "نور أنى أراه" بكسر همزة إني، وهذا مخالف لِمَا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نور أنى أراه" فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وموسى عليه السلام حينما طلب الرؤية قال الله له: {انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143].. والصوفية لم يقفوا عند حد الأدب مع الله سبحانه وتعالى، ولم يتعلموا من موسى، وما جرى معه بل قال واحد منهم:
وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى فهو يأمر الله سبحانه وتعالى أن يسمح، ثم ينهاه سبحانه وتعالى أن يجعل جوابه لن ترى كما أجاب موسى بذلك وكذلك "رابعة العدوية" تعتقد أن الحجب ستكشف لها حتى ترى الله، ويا ليت الصوفية يتوقفون عند هذه المسألة أن يروا الله وإنما الرؤية عندهم هو أن يحس أنه هو الله وأن الله حال فيه، هذا هو كشف الحجب.. حجب الذات.. حجب النفس بحيث يصل الإنسان منهم إلى أن يرى أنه هو الله، ولذلك كان فهمهم لكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" كان الواحد منهم يقول: "لا إله إلا أنا" "أنا الله" فهو يعتقد أنه هو المقصود بكلمة "لا إله إلا الله".
ونعود مرة ثانية إلى "رابعة" وإلى ما كتب عنها الذي يقول إن رابعة هي أول من تحدث عن حب الله، هذا الإنسان يبدو أنه لم يقرأ القرآن الكريم، ولم يقرأ السنة المطهرة، ففي القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى تحدث عن الحب فقال: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165].

الفرق بين الحب والعشق:
حب الله وحب رسوله موجود في القرآن الكريم، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن يبدو أن كاتب هذه السطور يقصد حباً آخر وهو "العشق" وليس الحب، فعلا "رابعة العدوية" ومن على شاكلتها هم أول من أطلق على محبة الله عشقاً، والعشق ما هو؟ إن العشق في أصل وضعه في اللغة العربية لما ينكح، والصوفية وضعوا هذا اللفظ لما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، اعتبروه عشيقاً كالذي يكون بين الرجل والمرأة، قد يذهل الإنسان حينما يسمع هذا الكلام، وربما اعتبر البعض أن هذا تجنياً على الصوفية، ولكنه حينما يتابع كلام القوم وما كتبوه في باب العشق يجد أنهم ينهجون ذلك المنهج، ويقصدون هذا المنحى، ويعترفون أن علاقتهم بالله تكون على هذا المستوى مستوى الناكح والمنكوح، ولقد جاء ذلك صراحة في فصوص الحكم "لابن عربي" إذ قال: "إن الرجل حينما يضاجع زوجته إنما يضاجع الحق" وكان من الممكن أن نقول إن هذه غلطة من محيي الدين ابن عربي أو أن لها تأويلاً آخر ولكن جاء "النابلسي" فشرح الفصوص.
ووقف عند هذا التعبير وهو قوله "إنما ينكح الحق" وذكر الله بدلاً من كلمة الحق، وهم يرون أن العلاقة تكون بين الرجل والمرأة قوية إذا كانت في حرام، فهم يعتبرون أن الاتصال بالله يكون كما بين الزوج وزوجته فإذا كان في حرام غير زوجته كان الاتصال أقوى. ثم نرجع "لابن الفارض" مثلاً فنجد أن "ابن الفارض" تحدث عن الله بضمير المؤنثة المخاطبة فهو يقول له: "أنتِ كذا أنتِ كذا أنتِ كذا" ولو رحت تسأل الصوفية لماذا تتحدثون عن الله بضمير المؤنثة المخاطبة؟ فإنهم يقولون لك: إننا لا نقصد الله، وإنما نقصد الذات الإلهية فنحن نوجه ضمير المؤنثة المخاطبة للذات وليس لله فنوجهها الذات الإلهية، "ابن الفارض" يقول إن الله تجلى لقيس بصورة ليلى. وتجلى لكثير بصورة عزة، وتجلى لجميل في صورة بثينة في قصيدته التائية المعروفة فهو يعترف أن هذا من تجليات الحق.

الأدب اللفظي!!
نعود إلى الصوفية ونقول لهم: طيف تطلقون على الله لفظ المؤنثة أيا كان تأويلكم، وأيا كان تحليلكم، وأيا كان تعليلكم مع أن الله سبحانه وتعالى غضب أن يطلق لفظ الأنثى على الملائكة وقال: { وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } [الزخرف: 19] فالله سبحانه وتعالى غضب وأعلن ذلك الغضب في أكثر من آية من آيات كتابه، على العرب المشركين الذين جعلوا الجن ذكوراً والملائكة إناثاً وزعموا أن هناك مزاوجة بين الجن والملائكة، إلى آخر ما قاله الوثنيون القدامى، فالله سبحانه وتعالى نفى هذا وغضب من أجل هذا – فكيف يرضى سبحانه وتعالى أن يطلق لفظ المخاطبة بضمير المؤنث مهما كان الاحتمال العقلي عند هذا المتحدث؟
ثم إن القرآن الكريم له أسلوب عجيب أن يستبعد في باب العقيدة أي لفظ محتمل، ونحن حينما نقرأ سورة البقرة ونجد في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا } [البقرة: 104] لو تأملنا الفرق في كلمة راعنا وانظرنا في اللغة العربية نجده قريباً من قريب، فرعنا تساوي انظرنا، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجلسون في الشمال: راعنا، يعني انظر إلينا، فإذا نظر إليهم قال الذين هم على اليمين: راعنا انظر إلينا، اليهود حفظوا هذه الكلمة راعنا فكانوا يقولونها سخرية واستهزاء، يقولون: راعنا إما من الرعونة أو لاعنا من اللعن، أو راعينا أي أنه من رعاتنا أو أي شيء من هذا القبيل يقولونها من سخرية ليا بألسنتهم وطعناً في الدين فنهى الله أصحاب رسوله عن هذه الكلمة أن يقولوها فقال لهم: {قُولُواْ انظُرْنَا} فإنها لفظ غير محتمل.. إذا كان ذلك في لفظ يطلق بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيمكن أن يطلق العنان في ألفاظ تستعمل بالنسبة له سبحانه؟
ثم نترك "رابعة العدوية" قليلاً ونلتقي "بمحيي الدين ابن عربي" الذي دخل بيت "الشيخ مكين الدين" وعاش عنده فترة ثم أحب ابنته، وقال فيها شعراً في عينيها، وتغزل في شفتيها، وفي وصف القبلات التي كان يرسمها على خديها وشفتيها. تحدث عن أثدائها، تحت أردافها، تحدث عن قدها، تحدث عن جمالها، عن كل شيء ما ظهر منها وما بطن، ولما خرج بأشعاره على الناس قالوا له: أليس عيباً أن تقول هذا الكلام في بنت الشيخ الذي استضافك وأعزك وأكرمك؟ فخرج بكتاب على الناس اسمه "ترجمان الأشواق" هذا الكتاب الذي ذهب فيه إلى أن كل ما قيل عن بنت الشيخ "مكين الدين" ليس غزلاً فيها وإنما هو عن الذات الإلهية، وأنه إنما يقصد الذات الإلهية وهو يتغزل في بنت الشيخ "مكين الدين" فهو إذا وصف القد أو إذا وصف الخد أو إذا وصف الوصال أو العناق أو الصد أو البعد أو القرب أو ما شاكل ذلك فإنما كل ذلك منسحب على الذات الإلهية!

جعلناكم أمة وسطا:
ثم ما هو هذا العشق الإلهي الذي لجأت إليه "رابعة العدوية" ونسيت الدنيا، وما فيها وكرهت العالم جميعاً، وهل الله سبحانه أمرنا بهذا؟ هل الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نصد عن خلقه، وأن نصد عن الناس، وأن نصد عن الزواج، وأن نصد عن المتع، وأن نصد عن المال، وأن نصد عن هذا كله بحجة أننا تركنا هذا كله له، مع أنه هو الذي قال في كتابه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] ثم كيف تمتنع "رابعة" عن الزواج كما يقولون مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للثلاثة الذين حاولوا أن يتزيدوا في العبادة، والذين ذهبوا إلى بيوته، وسألوا عن عبادته فقالوا: وأين نحن من النبي؟ ثم حاول كل واحد منهم أن يزيد في عبادته فقال واحد: "أما أنا فأصلي ولا أرقد" وقال الثاني: "وأنا أصوم ولا أفطر" وقال الثالث: "فأما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً" فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ”ما هذا الذي بلغني عنكم؟ أما وإني رسول الله فإني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني“.. أتزعم "رابعة العدوية" أنها متفوقة على رسول الله الذي تزوج النساء وأكل وطعم وشرب، وهل نتصور أن رابعة أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأفضل من صحابته، هؤلاء الذين رباهم الله، وأنها أوتيت من العلم ما لم يؤته رسول الله، وأكثر مما نزل في القرآن، وأنها تتخلق بأخلاق أكبر من أخلاق القرآن؟.. وهذا وحده مخرج من الملة والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

الزاهدون في الحلال:
وذلك هو باب من الشر قع فيه هؤلاء الناس، وهم الصوفية إذ عزموا لأنفسهم أنهم الزهاد، وأنهم العباد، ثم أطلقوا على أنفسهم هذا اللفظ "صوفي" وقالوا لنا أن صوفي تعادل كلمة "تقي" أو تعادل كلمة "نحسن" أو تعادل كلمة "صديق" كما روى ذلك "ابن تيمية" عنهم في رسالته الغيرة "الصوفية والفقراء" زعموا أنهم صديقوا الأمة، ولقد تساءلت في مقدمتي لهذا الكتاب قلت: كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يطلقوا على أنفسهم هذه الألقاب؟ مثلاً: رجل يقول أنا صوفي معنى هذا أنه يقول أنا تقي، معنى هذا أنه يقول أنا محسن، معنى هذا أنه يقول أنا صديق.. كيف يمكن للإنسان أن يزكي نفسه ؟ كيف يمكن للإنسان أن يحكم على نفسه بالتقوى أو بالإحسان أو بالصديقية؟ مع أن الله سبحانه وتعالى قال: { فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [النجم: 32].. ومع أن الله سبحانه وتعالى قال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [النساء: 49].
إن الزهد لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة.. ووروده في القرآن الكريم في هذه المرة الواحدة جاء في شأن يوسف عليه السلام: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } [يوسف: 20] هذا الزهد الذي لجأت إليه الصوفية هو الزهد في الحلال، وهو خطأ لأن الزهد لا يكون في الحلال، وإنما الزهد يكون في الحرام، فالإنسان الذي يريد أن يزهد يزهد في الحرام، أما أن يزهد في الحلال لهذا خطأ مخالف لطبيعة الإسلام.

سخافات لا كرامات!!
يقولون: إن "رابعة" لما حضرتها الوفاة قالت لمن حولها: انهضوا واخرجوا ودعوا الطريق مفتوحاً لرسول الله فنهضوا جميعاً وخرجوا، ولما أغلقوا عليها الباب سمعوا صوتها وهي تتشهد، وسمعوا الملائكة وهي ترتل: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي } [الفجر: 27-30] فماذا ترون في ذلك؟؟

جنون أم كرامات:
قبل أن نتحدث عن هذه الكرامة بالذات نعود إلى "رابعة" من الأول ونتحدث عن حب "رابعة" وما في هذا الحب من خطأ بشع لقد رووا عن "رابعة" نفسها: إن سفيان الثوري – على حد ما زعموا – سألها "يا رابعة هل تكرهين الشيطان؟ فقالت له: إن حبي لله لم يترك في قلبي كراهية لأحد" "فرابعة" بلغ بها الأمر أنها لا تكره الشيطان لأنها تحب الله، وهذا من الأمور العكسية، وهذه نتيجة للخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الناس في الحب أو في العشق، أو في الذي يسمونه الفناء، أو في الذي يسمونه مقام الشهود أو مقام الحلول.
ونعود إلى كرامات الصوفية وليست هذه بأبشع كراماتهم فكرامات الصوفية لها سجلات مليئة بالبشاعات، وأعظم سجل لبشاعات الصوفية أو لكرامات الصوفية هو كتاب "الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني" وهذا كتاب مليء بالكرامات أو السخافات التي يروونها عن أوليائهم، وهذا الذي كتب في هذا الكتاب فيه إسفاف، ومجون، وفيه فسوق، وفيه مروق بل إن الفسوق الذي ذكر في هذا الكتاب ينأى عن أي كتاب من كتب الجنس التي تصادر والتي يحظر تداولها أو قراءتها أو دخولها لبعض البلاد.
فهم يعتبرون أن إتيان الحيوان كرامة من الكرامات، وأن رجلاً اسمه "وحيش" كان يدعو كل رجل يركب حماره إلى أن يمسكها له ليفعل بها فإن رفض تسمر في الأرض وإن قبل أصابه خجل عظيم.
وهذه واحدة من آلاف الكرامات وليس بأعظمها، وكنت أظن أن كتاب الطبقات لا يعادله كتاب فيما ذهب إليه ولكني لما ذهبت إلى السودان وجدت هناك كتاب طبقات آخر "طبقات ود ضيف الله" وكتاب "طبقات ود ضيف الله" في السودان كتاب محقق حققته الجامعة وخرجته الجامعة وهو مليء كطبقات الشعراني بهذا الهوس وبهذا الخبل وبهذا المجون والفسوق والمروق.

معركة مع الموت:
أكثر كرامات الصوفية تدور حول الموت فهم يزعمون أنهم يطيرون بنعوشهم بعد الموت وما أكثر النعوش التي تطير أو يطيرها أتباعهم، يزعمون أن فلاناً أمسك ملك الموت وأخذ منه زنبيل الأرواح ورماه فعادت الأرواح إلى أصحابها، ويزعمون في طبقات "ود ضيف الله" أن ملك الموت أراد أن يقبض روح واحدة "فاطمة بنت عبيد على ما أذكر" وأنها استغاثت بأحد الأولياء فذهب إلى السماء الرابعة وأمسك ملك الموت ودخل معه في صراع إلى أن أسترد منه روح فاطمة بنت عبيد ثم عاد إلى الأرض وهو يتصبب عرقاً فسألوه فقال: لأنني كنت أجاهد ملك الموت حتى استخلصت الروح منه.
كراماتهم تدور حول هذا المعنى وهم ينددون بمن يقول لهم مثلاً: إن فلاناً مات ويغضبون لهذا التعبير جداً ويقولون: انتقل ولم يمت، ويجهلون أن الله سبحانه وتعالى قال عن نهبي صلى الله عليه وسلم وعن أشرف خلقه: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144].. وأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال حول هذه الآية: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" وأن الله سبحانه وتعالى قال: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } [الزمر: 30]. وقال: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } [الأنبياء: 34] وقال في ثلاث قضايا سورت بالسور الكلي قال أولاً: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26]، وقال: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } [آل عمران: 185] وقال سبحانه وتعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } [القصص: 88] فالموت مكتوب على كل إنسان، وجعلها كلمة باقية في عقب آدم إلى يوم يرجعون، فالله سبحانه وتعالى يقرر في القرآن أن الكل يموت ولكن الصوفية ينفون أن يكون واحد منهم قد مات. هذه عقيدتهم..
ثم نعود إلى كرامة "رابعة العدوية" التي استقبلتها الملائكة وملأت بيتها، وزحمته وجعلتها تقول للناس اخرجوا حتى يدخل رسل ربي، ثم لماذا يخرجون ليدخل رسل الله مع أن الله سبحانه وتعالى بيّن لنا أن رسله يدخلون علىالميت وقت احتضاره والناس من حوله { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاّ تُبْصِرُونَ } [الواقعة: 85] فهم أقرب إليه ولكن الناس لا يبصرون فهل طالب الله سبحانه وتعالى بإفراغ المكان حتى يدخل رسل الله سبحانه وتعالى، ثم من هم هؤلاء رسل الله الذين يسمعون وهم يرددون الآيات ويرددون البشارات حتى يعرف الناس.

الذين يخلعون الولاية على الناس:
يقول الصوفية:
"إن رابعة من أهل الجنة وأنها رجعت إلى ربها راضية مرضية، مع أن حديث أبي السائب معروف لنا وهو أن زوجه قالت: رحمك الله يا أبا السائب لقد أكرمك الله، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : "ومن أدراك أن الله قد أكرمه؟" فأخذت تصفه بمكارم الأخلاق فقال لها النبي: "لا تقولي ذلك ولكن استغفري له فوالله وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي". ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو كلامه بالنسبة للحكم على الناس بتقوى أو بصلاح أو بعاقبة طيبة، ولكن الصوفية دائماً يسرفون في الحكم على الناس ويسرفون في الحكم على أنفسهم فيزعمون أنهم أهل الله، وأنهم أصحاب جنته، وأنهم يرون الله وأنهم يجتمعون في الدنيا برسول الله جهاراً نهاراً وأنهم يتلقون الحديث من رسول الله، وأن لهم رواية وسنداً في الحديث عن رسول الله مباشرة، وأن محيي الدين بن عربي قال: إن هذا السند أقوى سند كتب الحديث، لأن الولي منهم يلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له: هل قلت كذا يا رسول الله فيقول: لا لم أقله.. ثم يجيب الرسول صلى الله عليه وسلم بأحاديث جديدة بل إن الصوفية يذهبون إلى أبعد من هذا فهم يرفضون سند رجال الحديث مطلقاً ويقولون بمباهاة وفخر: "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" ويقولون أيضاً كلمتهم المعروفة أو سندهم المعروف في الرواية "حدثني قلبي عن ربي" فقلوبهم تحدثهم عن ربهم بدون واسطة الموتى في أخذ العلم وفي تلقي العلم، لكنهم يقبلون واسطة الموتى في العمل وفي الجنة وفي الحصول على رضا الله سبحانه وتعالى.
 

http://saaid.net/feraq/sufyah/g/4.htm

العشق الإلهي"
لرابعة العدوية
 


 

(1)
 


 

أحبك حبين حب الهوي ##### وحباً لأنك أهل لذاك.
فأما الذي هو حب الهوي ##### فشغلي بذكرك عمن سواك.
أما الذي أنت أهل له ##### فكشفك لي الحجب حتي أراك.
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ##### ولكن لك الحمد في ذا وذاك.
 

 


 

(2)
 


* إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك.

 

(3)
 


وقيل أيضاً : إن سفيان الثوري قال لها ذات يوم : « صفي لي درجة ايمانك واعتقادك باللّه جلّ وعلا ، فقالت رابعة : إنّي لا أعبد اللّه شوقاً إلى الجنة ، ولا خوفاً من جهنم ، وإنما اعبده لكمال شوقي إليه ، ولاداء شرائط العبودية »
 

(4)
قصيدة راحتي في خلوتي.

 


 

راحتي يا أخوتي في خلوتي
وحبيبي دائماً في حضرتي
لم أجد لي عن هواه عوضاً
وهواه في البرايا محنتي
حيثما كنت أشاهد حسنه
فهو محرابي إليه قبلتي
إن أمت وجداً وماثم رضا
واعناني في الورى وشقوتي
يا طبيب القلب يا كل المنى
جد بوصل منك يشفي مهجتي
يا سروري وحياتي دائماً
نشأتي منك وأيضاً نشوتي
قد هجرت الخلق جميعاً ارتجي
منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي